السيد نعمة الله الجزائري

48

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

مخصوصة ، وآلات القبض هذه بعينها ، إلا أنها على غير تلك الهيئة وعلى غير تلك الحركات ، ويناسب الأول لفظ التركيب والثاني لفظ الجعل ، لأن الأعصاب والعضلات إنما كانت حين التركيب على هيئة البسط ، لكن بمنته تعالى جعل في تلك الإعضال الموضوعة على هيئة البسط القدرة على هيئة القبض ، وقيل المراد بهما الماسكة والدافعة المودعتان في كل عضو ، وقيل الفرح والحزن ويناسبه ما قيل إن المراد بهما حالتا القلب ، كما روي عن علي عليه السّلام أنه قال : إن للقلوب إقبالا وإدبارا ، فإذا أقبلت فأقبلوا على النوافل وإذا أدبرت فدعوها ، وروي عن الصادق عليه السّلام أنه كان يقول تارة يبسط لنا فنعرف وتارة يقبض عنا فلا نعرف . « ومتّعنا بأرواح الحياة » الظاهر أن جمع الأرواح إشارة إلى ما تضمنه حديث جابر عن الباقر عليه السّلام قال فيه خمسة أرواح للمقربين : روح القدس وبه علموا جميع الأشياء ، وروح الإيمان وبه عبدوا اللّه ، وروح القوة وبه جاهدوا العدو وعالجوا المعاش ، وروح الشهوة وبه أصابوا لذة الطعام والنكاح ، وروح البدن وبه يدبون ويدرجون ، وأربعة لأصحاب اليمين لفقد روح القدس منهم ، وثلاثة لأصحاب الشمال لفقد روح الإيمان منهم ، وقيل المراد بها الأرواح الثلاثة التي يقول بها الأطباء ، أحدها روح الحيوانية التي تقوم بها القوة الحيوانية المنبعثة من القلب ، وثانيها الروح النفسانية التي تقوم بها القوة المدركة والمحركة ، أعني القوة الشوقية والفاعلة للحركة في العضلات المنبعثة من الدماغ ، وثالثها الروح الطبيعية التي تقوم بها القوة الطبيعية من التغذية والتنمية المنبعثة من الكبد ، فالنفس الناطقة الواحدة قد تعلقت بهذه الأرواح الثلاثة بأسرها ، من حيث تعلقت أولا بالروح الحيوانية القلبية ويتوسطها بالأخيرين ، ونازع بعض الحكماء في ذلك ، فأذعنوا بتعدد النفوس المجردة وتثليثها بتعدد الأرواح المتعلقة بالأعضاء الرئيسية الثلاثة ، فيلزم عليهم أن يشير كل شخص إلى نفسه بنحن لا بأنا ، وقد مشى بعض المفسرين في إثرهم فزعم أن إيثاره تعالى النون في إياك نعبد وإياك نستعين مع كونها دالة على التكثير الموهم لتعظيم العابد والمستعين نفسه على الألف الدالة على الوحدة الناصة على التحقير إنما هو لأجل تعدد النفوس المتعلقة بتلك الأعضاء الثلاثة في كل شخص ، فكأنه تعالى يقول بلسان الخلق : إنا بشراشر النفوس المجردة من الحيوانية والنفسانية والطبيعية وجميع القوى المتعلقة بها نعبد اللّه ، ولا يخفى بعده ،